الثلاثاء، 8 مارس 2016

موجات الجاذبية




موجات الجاذبية

خلال تاريخ البشرية كلها كان الضوء وأبناء عمومتها "الموجات الكهرومغناطيسية" هي الطريقة لرصد وملاحظة الكون وما يحتويه من مجرات ومجموعات شمسية ونجوم وكواكب. لكن ما حدث في مرصد ليجو LIGO في الولايات المتحدة الأمريكية أعطانا بُعد آخر من الرصد وطريقة جديدة لرؤية الكون وملاحظته. هذه الطريقة هي موجات الجاذبية التي تَحْدث بسبب تحرك الأجرام السماوية والمقصد هنا المجرات والنجوم العملاقة والثقوب السوداء بشكل خاص. والسبب أنها أجرام ذات طاقة وكتلة كبيرة جداً وبالتالي هذه الموجات تكون إلى حد ما ملحوظة .وتبرز أهمية هذه الموجات بأنها تحمل معلومات مهمة من أهمها معلومات عن الحدث الأبرز والأهم "الانفجار العظيم The Big Bang". والسبب أن موجات الجاذبية لا تُمتص بواسطة المادة ولا تنعكس وبالتالي ستحافظ هذه الموجات على شكلها التي تشكلت من بداية الكون ولذا ستسمح لنا رؤية ومعرفة ما حدث في الماضي خلال تكوّن كوننا وإلى ما وصل إليه حالياً.
لكن قبل الخوض في تفاصيل كيف تم الرصد وكيفية عمل مرصد ليجو أريد أن أستعرض بشكل مبسط كيف ظهرت فكرة هذه الموجات.  كانت من أوائل المحاولات لتفسير سقوط الأجسام على سطح الأرض محاولة الفيلسوف اليوناني أرسطو حيث فسر أن الأجسام الثقيلة لها ارتباط قوي بعنصر الأرض[1] وبالتالي هي تحاول أن تعود لمركز الكون "الأرض" حيث تحاول الرجوع لمصدر طبيعتها بينما الأجسام الخفيفة مركبة من عنصر النار كمكوّن أساسي وبالتالي هي تحاول التحرك لأعلى لمركز القمر. هذه النظرة تعتمد على أن المادة تحاول الرجوع لطبيعتها وليس أن الجاذبية عبارة عن قوة خارجية. لكن في القرن السادس الميلادي ظهر الفلكي والرياضي الهندي براهماغوبتا (Brahmagupta) بفكرة أن الأرض كروية وهي تجذب الأجسام لها. تأثر بهذه الفكرة العلماء المسلمين في القرن التاسع الميلادي كالهمداني والبيروني حيث كتبوا أن كل الأجسام حيثما كنت  على سطح الأرض تتجه نحو الأرض بسبب طبيعة الأرض التي تجذب الأجسام إليها وهو أحد القوانين الطبيعية مثل أن الماء يجري أو النار تُحرق الأشياء.
في القرن السابع عشر الميلادي بدأت ملامح النظرية الحديثة للجاذبية تتخذ شكلها وكانت بدايتها باكتشاف العالم الايطالي جاليليو بأن الأجسام تسقط على الأرض بتسارع ثابت. تلاها اقتراح الفيلسوف الانجليزي هوك في أواخر القرن السابع عشر الميلادي بأن قوة الجاذبية تعتمد على قانون التربيع العكسي للمسافة. هذه الارهاصات مع قوانين كبلر الثلاثة لحركة الكواكب قادت العالم الانجليزي نيوتن إلى وضع الصورة الرياضية لقوة الجاذبية حيث تعتمد هذه القوة على كتلتي الجسمين وعلى التربيع العكسي للبعد بينهما. كانت هذه الصورة وهذا القانون من أعظم اكتشافات البشرية وقادت لثورات كبيرة علمية وتطبيقية لكن هناك سؤال كبير ومقلق جداً ألا وهو كيف نفسر الجاذبية؟ أي كيفية وآلية عمل جاذبية؟!
كانت هناك عدة محاولات حتى قبل أن يظهر قانون نيوتن للجاذبية فمثلا هوك ومن بعده تشاليس اقترحوا أن الجسم يشع موجات والتي بدورها تجذب الأجسام الأخرى لها. بل حتى نيوتن حاول تفسير الجاذبية باقتراح نموذج مع اويلر بأن "الأثير" هو سبب تجاذب الأجسام حيث تقل كثافة هذا الأثير كلما كان قرب الأجسام وبالتالي تظهر قوة محصلة تقود إلى تجاذب الأجسام فيما بينها. كل هذه النظريات وغيرها الكثير لم تُقبل علميا لأسباب متعددة فمنها ما لم تتوافق مع الرصد ومنها ما تتعدى على قانون أساسي من قوانين الطبيعة ألا وهو قانون حفظ الطاقة وبالتالي انتهت إلى عدم قبولها
الشكل1: شكل توضيحي لتأثر نسيج الزمكان بوجود كتلة
في عام 1907 ميلادي ظهرت واحدة من أعظم أفكار البشرية بما وصفها اينشتاين بأنها "أسعد فكرة في حياته" وهذه الفكرة قادت إلى مبدأ مهم في الفيزياء ألا وهو "مبدأ التكافؤ". الفكرة كما يصفها اينشتاين هي لو أن شخص سقط من مكان عالي لن يشعر بمجال الجاذبية وهذا ما يعني أن التسارع مكافئ للجاذبية. وهذا المبدأ قاد إلى النظرية الحالية المقبولة علمياً والتي تفسر الجاذبية "النسبية العامة". تفسر النسبية الجاذبية هندسياً بأن الكتلة أو الطاقة تسبب تشوه أو انحناء في نسيج الزمكان[2] (الشكل 1) وليس كما كانت التفسيرات القديمة أنها قوة. حيث تربط النسبية كمية الكتلة والطاقة بمقدار الانحناء أو التشوه الذي يحصل لنسيج الزمكان وهذا الربط تحكمه مجموعة معادلات تسمى معادلات المجال لاينشتاين
Einstein's Feild equations . بهذه المعادلات وهذا التفسير استطاعت النسبية تفسير معضلة لم تستطع نظرية نيوتن حلها وهي مشكلة مسار كوكب عطارد وبهذا صارت النظرية تحت الضوء وبدأ العلماء باختبار مدى صحتها، وتوالت الاختبارات منها مثلا انحناء الضوء لدى مروره بتشوهات في النسيج الزمكاني أي بوجود كتلة أو طاقة وهي ما يطلق عليها اليوم ظاهرة "عدسات الجاذبية Gravitational Lensing" الشكل2 وهذا الاختبار تم في 1910 ميلادية بواسطة ادينجتن أي بعد ظهور النسبية العامة بسنوات قليلة. ومن الاختبارات أيضاً تنبؤ النظرية النسبية بتوسع الكون وهو ما تم تأكيده عام 1920 عن طريق العالم  هبل. وغيرها الكثير من الاختبارات وهو ما يزيد هذه النظرية صحة وقوة وآخرها ما نحاول أن نلقي عليه الضوء في هذه المقالة ألا وهي "موجات الجاذبية" وقد تم رصدها عن طريق مرصد ليجو LIGO في الولايات المتحدة الأمريكية.

الشكل 2: عدسات الجاذبية Gravitational Lensing

ظهرت فكرة موجات الجاذبية مع محاولة اينشتاين لحل اشكالية تعارض نموذج نيوتن لانتقال المعلومات بشكل آني مع مبدأ النسبية الخاصة التي تقول أن سرعة الضوء في الفراغ هي السرعة الحدية في هذا الكون. ولتوضيح التعارض فلو افترضنا أن الشمس اختفت فإن نموذج نيوتن يقول أن الأرض ستشعر بهذا الاختفاء بشكل آني ولذا ستتحرك بشكل مستقيم وهذا ما يتعارض مع النسبية فهنا معلومة أن الشمس اختفت انتقلت للأرض أسرع من ضوء الشمس الذي يصل الأرض بعد 8 دقائق تقريباً، ولحل المشكلة اقترح اينشتاين أن الأرض تعلم باختفاء الشمس عن طريق وجود تموّجات في نسيج الزمكان نتج عن اختفاء الشمس وأن سرعة انتقال هذه التموجات "موجات الجاذبية" هي بالضبط سرعة الضوء ولذا لو تختفي الشمس فلن تعلم الأرض باختفائها الا بعد 8 دقائق[3].
إذا ً هذه التموّجات "موجات الجاذبية" ناتجة عن تغير موقع الجسم ذا الكتلة وهذه التوّجات تشبه التموّجات التي تنتج جراء إلقاء حجر في بركة ماء. ولأجل رصد هذه الموجات بُني مرصد ليجو LIGO ولكن هذا يعتبر تحدي لأسباب أهمها الحاجة إلى موجات قوية
الشكل3: شكل الإشارة الصادرة من حركة ثقب أسود أو نجم نيتروني حور محوره
جداً وهذه الموجات يجب أن تعمل على الأقل إزاحات في نسيج الزمكان بمقدار من الرتبة
10-18 وهذا يعني يعني مقدار أقل 1000 مرة من قطر البروتون!! ومصدر هذا النوع من الموجات يحتاج أن يكون ذا كتلة كبيرة جدا وأيضا يمر بتسارع كبير جداً مثل اندماج ثقبين أسودين وغالباً مثل هذه المصادر قليلة جداً إلا ما كان قديم جداً حيث يكون على بعد ملايين السنين عنّا لحظة وقوعه لكي يصل إلينا في هذا الوقت. لكن هذا النوع من الكتل لها عدة أنواع الحركات تصدر عدة أنواع من الموجات منها مثلا الموجات المستمرة continuous gravitational waves  (الشكل 3) وهي مثلا صادرة من حركة دوران ثقب أسود أو نجم نيتروني حول محوره وهذا النوع من الموجات ليست مصدرا جيد (في الشكل 2 توضيح لشكل الإشارة الصادرة من هذا النوع من الحركات). أفضل مصدر هو ما ينتج موجات حلزونية Inspiral gravitational waves ومصدر هذا النوع من الموجات هو عبارة عن ثقبين أو نجمين نيترونيّن أو ثقب ونجم نيتروني يدورون حول بعضهما 

الشكل4: شكل يوضح مصدر موجات الجاذبية الحلزونية بسبب اندماج ثقبين أسودين أو نجمين نيوترونين

وتقل المسافة فيما بينهما حتى يندمجوا مع بعضهما البعض لينتج موجات غير مستمرة بل متغيرة التردد (الشكل4).
موجات الجاذبية تتفاعل مع المادة عن طريق ضغط الأجسام باتجاه معين بينما تجعل هذه الأجسام تتمدد في الاتجاه العمودي على اتجاه الضغط ولذا كان تصميم مرصد ليجو على شكل حرف L (الشكل5) وهذا الشكل عبارة عن ذراعين بطول 4 كم. يساعد هذا الشكل بقياس التغير النسبي بالأطوال عن طريق جهاز يسمى مقياس التداخل Interferometer. في الحقيقة ليجو كمشروع هو عبارة عن جهازين راصدين واحد في ولاية واشنطن والآخر في ولاية لويزيانا ويضاف لهذا المشروع مجموعة من المراصد المتعاونة مثل مرصد VIRGO في إيطاليا و GEO في ألمانيا و TAMA في اليابان.
الشكل5: مرصد ليجو LIGO ويتضح تصميمه على شكل حرف L
يساعد هذا التعاون والمتوزع في عدة مناطق من التخلص من الازعاجات البيئية الموجودة حول أحد المصادر مثل سقوط شجرة حيث المفترض إذا حدث أن رصد أحد هذه المراصد موجة فإن المراصد الأخرى ترصدها ويكون هناك تأخر بالوقت لان الموجات تسافر بسرعة محدودة وإن كان هذا التأخير بحدود الـ 10 مليثانية مثلا بين المرصدين في الولايات المتحدة الأمريكية. إضافة إلى ذلك يساعد هذا التعاون وفكرة التأخير في الزمن على تحديد مصدر الموجات لان فكرة وجود مرصد واحد يستطيع تحديد موقع مصدر الموجات تقريباً مستحيلة. 
 فكرة عمل مرصد ليجو شبيه بفكرة عمل تجرية مايكلسون-مورلي. كما هو موضح بالشكل6 فإن الضوء "ليزر" يخرج من المصدر LASER ثم ينقسم إلى نصفين عند وصوله إلى المرآة في الوسط (BEAM SPLITTER) فنصف يكمل المسير إلى مرآة في آخر الذراع الأول بينما النصف الآخر يسير في الذراع الأخرى إلى المرآة الأخرى في آخر الممر وينعكس كلا الضوئين إلى نقطة انفصالهما ويكملا المسير إلى كاشف (الشكل المخروطي في الشكل6).
شكل 6:رسم توضيحي لتركيب مرصد ليجو

في حالة عدم أي تغيير في طول الذراعين أي لم يحدث أي تقلص أو تمدد في نسيج الزمكان فإن الضوئين يحدث بينهما تداخل هدام وبالتالي لا يظهر أي ضوء في الكاشف. لكن عندما تمر موجات جاذبية فإن أحد هذين الذراعين يتمدد بينما يتقلص الأخر (من رتبة مقدارها جزء من الألف 1/1000 من قطر البروتون) فإن الكاشف يرصد وجود أهداب للضوء وهنا يثبت أن موجات الجاذبية موجودة وفكرة النسيج الزمكاني هي حقيقة. هذه الاهداب تكون إشارة وبما أن رتبة تردد هذه الموجات هي حدود مدى الموجات الصوتية فلذا هذه الإشارة الملتقطة تتحول إلى موجات صوتية[4]. وهذا ما حدث في 14 سبتمبر عام 2015 حيث رصد كل من الراصدين في واشنطن ولويزيانا هذه الإشارة.
بعد هذا الرصد فإن العلم أمام نافذة جديدة من الرصد ومن طريقة جديدة ومختلفة للنظر لهذا الكون وما يوجد فيه. فموجات الجاذبية كما أسلفنا لا تتفاعل مع المادة كما تفعل الموجات الكهرومغناطيسية ولذا يعتبر الكون جسم شفاف لموجات الجاذبية ولذا لن يكون هذا النوع من البحث مهم لمعرفة بداية نشأة الكون فقط ولكن سنرصد تقريبا نفس الإشارات ونفس الموجات التي نتجت من تلك البداية وهو أمر عظيم جداً. كم أن موجات الجاذبية ستساعدنا على معرفة واستكشاف الثقوب السوداء بشكل أفضل وكيف تكونت إضافة إلى معرفة كيفية تعامل المادة تحت ضغوط ودرجات حرارة عالية جداً كتلك التي في النجوم النيترونية أو في المستعرات العظيمة أو السوبرنوفا Supernova.
كتبه
محمد الخليفة
Twitter: @medokh
Email: mak_294@hotmail.com





[1] قديما كان يعتقد أن الأجسام تتكون من أربع عناصر أساسية: الماء والهواء والنار والأرض.
[2] نسيج الزمكان Space-time fabric هو عبارة عن الأبعاد المكانية الثلاثة إضافة إلى البعد الزماني.
[3] في هذا الرابط توضيح للفكرة وتبدأ تقريباً عند الدقيقة الرابعة https://www.youtube.com/watch?v=4yyb_RNJWUM
[4] تستطيع سماع هذه الإشارة الدالة على وجود موجات الجاذبية من خلال هذا الرابط: http://www.ligo.org/science/GW-Overview/sounds/chirp40-1300Hz.wav . 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق